كاغارليتسكي من السجن: قراءة في روسيا والحرب وآفاق اليسار
د. خالد العزّي
Tuesday, 20-Oct-2026 07:35

بعد تظاهرات الشيوعيّين بتاريخ 4 تشرين الأول في موسكو، لمناسبة أحداث 1993، حين تحوَّلت التظاهرة إلى المطالبة بإسقاط القيصر الروسي، حليف الحزب الشيوعي في البرلمان، وتُعتبَر هذه التظاهرة أول تظاهرة ضدّ الحرب في أوكرانيا.

انطلاقاً من هذه المواجة المتأخّرة للشيوعيِّين الروس في التنديد بالحرب الأوكرانية - الروسية العبثية، لا بُدّ من الوقوف أمام السجين وعالم الاجتماع الماركسي الروسي، بوريس كاغارليتسكي. ومِن داخل سجنه يتابع التحوُّلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلاده، محاولاً قراءة الحرب في أوكرانيا من زاوية تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، لتصل إلى طبيعة النظام الروسي وأزمة الرأسمالية العالمية ومستقبل اليسار.

 

وفي حوار نشرته جريدة «دي تاتس» (Die Tageszeitung) الألمانية في 14 أيلول 2026، تحدَّث كاغارليتسكي عن تجربته في السجن، تطوُّرات الحرب، تحوُّلات المجتمع الروسي، وآفاق القوى اليسارية.

 

السجين الماركسي الروسي

ولد كاغارليتسكي في موسكو عام 1958، وانخرط في شبابه في تيار «الماركسية النقدية» المحظور في الاتحاد السوفياتي، ما أدّى إلى طرده من الجامعة وسجنه لاحقاً بسبب نشاطه اليساري. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حافظ على توجُّهه الماركسي، وأسهم في تأسيس مؤسسات وشبكات بحثية يسارية. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، عارض الغزو الروسي، فاعتُقل وحُكم عليه بالسجن 5 سنوات عام 2024.

 

ولا يتعامل كاغارليتسكي مع السجن باعتباره تجربة شخصية فحسب، بل يحوِّله إلى مساحة لمراقبة المجتمع الروسي. ومن خلال ملاحظاته، يتوقف عند تراجع أعداد السجناء الذين يغادرون المستعمرات العقابية للانضمام إلى الحرب، معتبراً أنّ هذا التراجع يعكس تغيُّراً في دوافع المجتمع واستجابته للسياسات التي تستخدمها الدولة لتجنيد المقاتلين.

 

الإمبريالية الروسية

في تفسيره للحرب، يرفض كاغارليتسكي اختزال الصراع في مواجهة بين روسيا والغرب، كما لا يتبنّى الرواية التي تقدِّم روسيا باعتبارها مجرّد ضحية للغرب وحلف شمال الأطلسي. ويرى أنّ فهم الحرب يتطلّب العودة إلى البنية الاقتصادية والسياسية التي تُنتج الصراعات، بدل التركيز على نوايا القادة وحدها. ومن هذا المنظور، يستعيد النقاشات التي رافقت الحرب العالمية الأولى، حين انقسم اليسار حول طبيعة الإمبريالية وموقف الطبقة العاملة من الحروب.

 

ويطبِّق كاغارليتسكي هذا المنظور على روسيا، معتبراً أنّ البلاد تحاول ممارسة دور قوّة إمبريالية، لكنّها تعاني في الوقت نفسه ضعفاً اقتصادياً وتكنولوجياً ومؤسسياً. ولذلك يصف الحالة الروسية بأنّها نوع من «الإمبريالية الفاشلة»، إذ تتجاوز الطموحات الجيوسياسية قدرة الاقتصاد على تحقيقها بصورة مستقرّة. ويربط ذلك بطبيعة النخبة الحاكمة التي، وفق تحليله، تستنزف الموارد المتراكمة من المرحلة السوفياتية، بينما تعوق المصالح المرتبطة بها أي عملية تحديث عميقة للدولة والاقتصاد.

 

الحرب العبثية من نظرة كاغارليتسكي

لا يتوقف الفيلسوف المعتقل في تحليله عند روسيا، بل يربط الحرب بأزمة النظام الرأسمالي العالمي. فعلى الرغم من توسع رأس المال العابر للحدود وتشابك الأسواق، لم تختفِ الدولة القومية، بل بقيت أداة أساسية لحماية المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية. ومن هنا يستمر التنافس بين القوى الكبرى حول التكنولوجيا والطاقة والأسواق ومناطق النفوذ، على الرغم من الاعتماد الاقتصادي المتبادل بينها.

 

ويرى كاغارليتسكي، أنّ تصاعد الاستبداد واليمين الشعبوي يرتبط أيضاً بأزمة النموذج النيوليبرالي، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية. فغياب بديل يساري قوي أتاح لليمين ملء الفراغ السياسي والاجتماعي، بينما تراجعت قدرة الديمقراطية الاجتماعية التقليدية على تقديم حلول للأزمات الاقتصادية.

 

دور اليسار الجديد في التحوُّلات العالمية

أمّا اليسار، فيرى أنّ مشكلته الأساسية تكمن في ابتعاده عن القضايا الاقتصادية والهيكلية، مثل الملكية العامة، توزيع الثروة، والإصلاحات الاجتماعية، والتركيز بصورة أكبر على قضايا الهوية. ومع ذلك، لا يعتبر صعود اليمين المتطرّف حتمياً، ويشير إلى تجارب جديدة في الولايات المتحدة، يمكن أن تمثل مؤشراً إلى إمكانية استعادة اليسار حضوره السياسي.

 

وفي روسيا، يرى أنّ المستقبل قد يحمل أزمة أعمق، وأنّ اليسار، على الرغم من ضعفه، قد يكون أكثر استعداداً من غيره لمواجهة التحوُّلات المقبلة.

غير أنّ الأزمات لا تقود تلقائياً إلى التغيير اليساري، فقد تفتح الطريق أيضاً أمام القومية والاستبداد. ولذلك فإنّ التحدّي الحقيقي أمام اليسار هو امتلاك مشروع اجتماعي واقتصادي، قادر على تحويل الأزمات إلى فرصة لبناء بديل سياسي.

 

وينظر كاغارليتسكي في رؤيته إلى الحرب في أوكرانيا، باعتبارها جزءاً من أزمة أوسع تتداخل فيها الصراعات الجيوسياسية مع التناقضات الاقتصادية والاجتماعية للنظام العالمي. ومن هنا، فإنّ مستقبل روسيا واليسار لن تحدِّده نتائج الحرب وحدها، بل قدرة القوى السياسية والاجتماعية على تقديم بدائل تتجاوز النظام الذي أنتج الأزمة.

الأكثر قراءة